سيكولوجية وسسيولوجية الفساد

ضمن لقاءاتها الدورية أقامت ندوة ( الوفاء ) الثقافية الأسبوعية في الرياض محاضرة بعنوان (( سيكولوجية وسسيولوجية الفساد )) ألقاها الدكتور أحمد سعيد الحريري الأستاذ الطبيب بمستشفى المملكة ، وعضو جمعية نزاهةلمكافحة الفساد ، وذلك مساء الأربعاء 1/5/1434هـ ، وأدار اللقاء الدكتور يحيى أبو الخير ، وحضرها عشرات المفكرين والمثقفين والإعلاميين ، وجمهور من رواد الندوة ومحبيها .
تعريف وخصـــائص الفســـــاد
بدأ الضيف الدكتور أحمد الحريري محاضرته بحمد الله ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أثنى على ندوة ( الوفاء ) ممثلة بعميدها الشيخ أحمد باجنيد لدورها في الفكر والثقافة الإسلامية ، ووقف أمام عدة نصوص شرعية ، وغير شرعية تحدثت عن الفساد منها قوله تعالى في محكم كتابه : ( وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنّ الله لا يحب المفسدين ) ]القصص:77[ .
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه ، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه ) .
ومن اقوال خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله : ( من حقكم عليَّ أن أضرب بالعدل هامة الجور والظلم ) .


وهذه النصوص هي إعلان حرب على الفساد ، وبالتأكيد أن هذا الفساد سبب رئيسي لتأخر التنمية .
ويمكن تعريف الفساد من ناحية اجتماعية بأنه يتمثل بخروج المؤسسة عن أهدافها الحقيقية .
ومن الناحية النفسية يعرف : بأنه شخص لم تتكامل شخصيته مع القيم الاجتماعية ،والثوابت الدينية السائدة في مجتمعه ، وبالتالي غالباً لديه اضطراب في الشخصية ، وصحته النفسية غير مستقرة ، وغير متوازن في تفكيره العقلي .
ويعرف البنك الدولي الفساد الإداري بأنه : سوء استغلال السلطة العامة من أجل الحصول على مكاسب خاصة .
أما لو عدنا إلى خصائص الفساد فنرى ما يأتي :
1) يشترك في السلوك الفاسد أكثر من شخص .
2) يتصف السلوك الفاسد وممارساته بالسرية التامة .
3) يتصف سلوك الفساد بالمصالح المتبادلة والالتزام الشخصي .
4) ينطوي على الخديعة والتحايل أحيانا على جهة حكومية .
5) تتفق جميع أشكال الفساد فيما تسببه من ضرر عام وخاص .
6) أخطر أنواع الفساد يكون من خلال وسطاء مجهولين .
7) ينتعش الفساد في الحروب ، والظروف الاقتصادية الصعبة ، وعند فقدان الأمن والاستقرار .
أشكـــال الفســـاد الشـــائعة في وطننا العربي
وأشار المحاضر إلى عدة أشكال من الفساد في وطننا العربي ، ومنها :
1. التعدي على أراضي الدولة .
2. الرشوة .
3. الوساطة والمحسوبية .
4. قبول الهدايا من أجل المصالح الخاصة .
5. التزوير .
6. إساءة استخدام الأختام .
7. التصرف بالمال العام .
وأما أبرز أنواع الفساد فهي :
1) الفساد الجماعي :
وهو أخطر أنواع الفساد حيث تجتمع فيه الشركات من أجل مصالحها الخاصة دون النظر إلى مصلحة الدولة أو المجتمع 
2) الفساد الذاتي :
وأبرزه استغلال الفرد للممتلكات العامة لأغراض شخصية .
3) الفساد الثنائي :
ويكون بين المحتال وأحد رموز النظام ، مثل المقاولين ، ومثل رشاوي موظفي الجمارك والشحن ، وقطاع الخدمات .
4) الفساد التآمري :
ومنه اتفاق الموظفين الحكوميين مع المستهلكين .

أسبــــاب الفســــاد
وذكر المحاضر الدكتور أحمد الحريري أسباب انتشار الفساد ، وقد أجملها فيما يأتي :
1. أسباب بعيدة المدى :
ومن ذلك التساهل في تطبيق الحدود,واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء ، وغياب أخلاقيات المهن والمساءلة ، وضعف السلطات الحكومية ، وانهيار النظام القيمي .
2. قريبة المدى :
ونجد ذلك في مجال التعليم والصحة ، والنقل العام ، والتكسب الشخصي من الوظيفة ، والتنافس على السلطة بأساليب غير مشروعة ، وتدني مستوى الخدمات .
3. التفكك الإداري .
4. تفكك المجتمع المحلي .
5. التفكك الأسري .
مؤشـــرات البيئة الإنســانية للفســـاد
ومن مؤشرات البيئة الإنسانية للفساد تظهر أنماط بشرية معينة هي :
1) الطفيلي : وهو ذاك المتزلف لذوي السلطان والمواقع العليا في المجتمع والدولة
2) المرتزق : وهمه البقاء في مكانه ، وخدمة المصالح العليا بأي ثمن من أجل الحفاظ على وضعه ومكانته .
3) الوصولي : وهو لديه بعص الصفات والمواصفات ، وطموح إلى مواقع عليا ، وهو ينتهز الفرص ، وهمه كيف يصل ويترقى إلى ما يريد .
ومن تحولات النماذج البشرية في البيئة الفاسدة نجد شكلين من النماذج التفاعلية ، وهي تختلف في المصلحة والتفكير :
1. الفريق الأول : هو فريق الثعالب المخادعة ذات السلوك الحربائي .
2. الفريق الثاني : هو فريق الذئاب المفترسة التي تتحين الفرص لتحقيق أهدافها ومآربها .
أبرز نتــائج الفســـاد
ووقف المحاضر أمام أبرز نتائج الفساد ، ولخصها فيما يأتي :
1- إهدار المال العام .
2- الظلم وعدم المساواة وزيادة التهميش لبعض الفئات .
3- التفاضل الاجتماعي ، فظهرت الإقليميّة والطائفية .
4- التعصب الاجتماعي .
5- احترام الثراء السريع ، وارتباك القيم .
6- اعتقال الرأي العام ، والخوف من النقد .
7- الخوف والطمع والجشع .
8- الإحباط .


سبـــل عـــلاج الفســـاد
وتحدث الدكتور أحمد الحريري أخيراً عن علاج الفساد ، وسبل مكافحته فقال:
لن يعالج الفساد إلا إذا نظر إليه على أنه جريمة ، كما ينبغي تحقيق رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في التكاتف في مقاومة ومكافحة جريمة الفساد ، ومن ذلك :
1) فضح الفساد ومقاومته من خلال وسائل الإعلام المتنوعة .
2) مقاومة الفساد والإعلان عنه من خلال المباحث الإدارية ، وديوان المراقبة العامة .
3) الدور الكبير للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد .
4) قيام مؤسسات مجتمع مدني فاعلة في مقاومة الفساد .
مداخـــلات وحـــوارات
نافذة على الحوار
وفي الختام , أثارت المحاضرة عشرات الأسئلة والحوارات التي أجاب عنها المحاضر الدكتور / أحمد سعيد الحريري
وبدأها الأستاذ /عبد الرحمن باسلم فقال : لقد كثر الحديث عن الفساد بين الناس ,وكُلّما ضاع المعيار الذي يضبطنا وهو الدين انتشر الفساد ,لأنَّ اهتمامنا كان بالدنيا ! وإن لم يكن يحكمنا الدين … فما الذي يحكمنا ؟ فليس من قوانين تطبّق وتحترم … بينما نرى احترام القوانين والأنظمة في الدول الأوروبية وفي أمريكا ,واليابان , وغيرها . أما الأستاذ / عبدالله باوزير فذكر أنَّ الفساد عربي , فالعالم العربي في القرن الماضي لم يبن دولاَّ ولكن بنى حكومات … بل حتّى تدار بعض الدول لابدّ من إدارة الفساد !! وأشار المهندس / محمد أحمد باجنيد بأنَّ الموضوع إضافة متميّزة لندوة : (الوفاء ). ولا شكّ أن هناك جهداً حكوميّاً لمكافحة الفساد ,ولكن لابدّ من جهد شعبي وفردي , أماّ موضوع الرّقابة فقد يجد أهل الفساد بعض المخارج , ومع هذا ينبغي التركيز على المواطنة الحقيقية , فالدول المتقدمّة لديها أنظمة وأدوات لتقليص الفساد وكشفه ومقاومته لا سيّما حين يكون الإعلام حرّاً ونزيهاً , فيقوم بدوره في هذا المجال , وهو دور كبير , ونحن نخطو خطوات مهمّة تجاه ذلك ولكن ما زالت ضعيفة , ولدينا مجلس شورى , ولم يزل بحاجة إلى تفعيل دوره المطلوب . وشكر عميد الندوة – في مداخلته – الضيف الكبير باسم الحضور على موضوعه الرّائع , ورحّب بجميع الضيوف الذين شرفوا الندوة من حضر موت
وهم الدكتور / سعيد الجريري , والدكتور / عبدالله الجعيدي , وخالد الجعيدي
وأثنى الأستاذ / أحمد مشهور على المحاضرة القيمّة التي حركت المشاعر والأحاسيس ،وقال: أذكر أنّني قلت لشيخنا محمد بافضل ادع لنا : اللّهم جنّبنا الفساد , وأرى أنَّ القدوة هي الأساس ,ونحن قدوة أبنائنا ,ونحتاج إلى هيئة مكافحة الفساد ,وننتظر منها الكثير .
أما الدكتور / عبد الجبار دية , فقد حيّى المحاضر الذي نكأت محاضرته جراحنا فعلا ً ,فأركان الفساد قد وردت في القرآن الكريم : (فرعون حاكم طاغوت ، والبطانة السياسة له هامان ورأس المال يمثّله قارون ) وفي الربيع العربي نجد السلطة , ورأس المال وكُلّ هذا الفساد على حساب الشعب . وأكثر الدول فساداً عشرة دول منها ستّة في العالم العربي , وهناك 300 مليار فساد في العالم العربي وأعظم الفساد … فساد الأجهزة الأمنية والإعلام لأنَّ هذا هو السرطان الذي ينهش في جسد الأمَّة. إن لدينا انفصاماً بين العبادات والمعاملات … الكثيرون يصلّون … لكن أين الأمانة …؟ يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه :(إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) . وسؤالي : هل لدى الوصولي والطفيلي ولاء للحاكم فعلاً ؟!
وقال الأستاذ / خالد البواردي : أصبح الفساد ثقافة مجتمع , ومن المصائب أن تموت وتعيش في بيئة فساد , وأنت لا تدرك هذا الفساد .. وقد يكون الفساد من الخارج وليس من الدّاخل .
وسأل الأستاذ / جنيد باجنيد هل حقّاً وسائل الإعلام تعالج الفساد ومسبباته أم أنهّا جزء من الفساد ؟! … وقال الأستاذ حامد الجفري : إنّا فقدنا تعليم الكتاتيب , والتعاون مع الأسرة من خلال التربية الإسلامية , واليوم عندنا تحفيظ للقرآن ,ولكن أين السلوك القويم ؟..وكان عندنا هيبة واحترام للمعلّم ! فلمَ فقدت اليوم ؟!
وأشار الأستاذ / محمد بن علي جابر رئيس تحرير الموقع الالكتروني (الألوكة ) إلى أنَّ العنوان قد استهواه ثم قال : الفساد قائم منذ الإنسانية الأولى … وكُلّ ينبغي أنْ يقوم بدوره لتعزيز المسؤولية الاجتماعية .. ونحن نخشى أن تخترق (نزاهة ) وأعني (جمعية نزاهة ) من قبل هوامير الفساد , وبفضل الله أعددنا في شبكة ( الألوكة ) مسابقة كبري لتعزيز القيم والمبادئ والأخلاق,وهذا من مكافحة ومقاومة الفساد !
وسأل نوّاف الباز عن تبرير الوصوليين لأعمالهم وإفسادهم !
وعبّر الدكتور سعيد الجريري من جامعة حضر موت عن سعادته أن يكون بين الإخوة في ندوة الوفاء , وفي هذه الأمسية , شاكراً المحاضر وعميد الندوة وأبناءه , وقال إن المقارنة بين الفساد في عالمنا العربي , وفي العالم الآخر مقارنة غير عادلة , لأنَّ لديهم مؤسسات وأنظمة تضبط المفسدين وتحاكمهم , فالرئيسان الفرنسي والإسرائيلي يحاكمان … وهذا لا يحدث في دولنا العربية , فنحن في عالمنا العربي ننشغل عن مكافحة الفساد بالحديث عن ظاهرة الفساد فقط , لقد كرّمنا الله بالدين … فلمَ لا نرضيه بالإصلاح ومكافحة الفساد لأن الله لا يحب المفسدين .
أما الدكتور / عبدالله الجعيدي فقال : موضوع الفساد موضوع واسع … فالفساد ظاهرة عالمية , لكن يحاسب عليه في الغرب .. ونحن عفا الله عمّا سلف .
أما الدكتور / خالد الجعيدي فقد شكر الشيخ أحمد باجنيد على ندوته , وعلى الموضوعات التي تطرح فيها , فهذا الموضوع موضوع شمولي يؤسس لخلفية معرفية كبيرة عن الفساد , وهناك فساد سياسي , واقتصادي , وتعليمي, وأهلي وحكومي …ولو تناولنا جزئية بسيطة كالفساد في المؤسسة التعليمية بالتحليل ووضع الحلول والمخارج لكفى , فالفساد ينخر في جسد الأمّة .

ثمّ تحدّث مدير اللقاء الدكتور / يحيى أبو الخير , فأثني على المحاضرة وعلى موضوعه , شاكراً عميد الندوة , ومرّحباً بالدكتور / عمر بامحسون عميد ندوة ثلاثية بامحسون على تشريفه لندوة ( الوفاء ) معتذراً لبعض الإخوة لعدم استطاعته طرح أسئلتهم , وإعطاء الفرصة لمداخلاتهم ,لكثرة المحاورين في هذا اللقاء .
وجاء مسك الختام مع الشيخ محمد بافضل الذي أشار إلى أهمية هذا الموضوع في حياة النّاس وتلا قوله تعالى : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [ الآية : 41 من سورة النور ] , ثمَّ أضاف السلامة والنجاة بهذا الدين فقط دون غيره , ولا صلاح أو إصلاح إلاّ بدين الإسلام , لكي ينشأ جيل يخشى الله :(( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن )) كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه ، إننا نحتاج إلى تربية إيمانيّة , نحتاج إلى الاستعداد للقاء الله , ثم دعا الله أنْ يحفظنا , ويحفظ أمّتنا من الفساد , ودعا للملكة وللعرب و المسلمين ولجميع الحضور .

الرياض : محمد شلاّل الحناحنة

 

تعليقان على “سيكولوجية وسسيولوجية الفساد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *