الذوق الأدبي عند العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف في شعر المتنبي

بسم الله الرحمن الرحيم

في ندوة (الوفاء) الثقافية

الدكتور عبد الرحمن بن يوسف الرحمة يحاضر عن (الذوق الأدبي عند العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف في شعر المتنبي)
الرياض : محمد شلال الحناحنة
أقامت ندوة (الوفاء) الثقافية بالرياض محاضرة بعنوان: (الذوق الأدبي عند العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله الستاف في شعر المتنبي) ألقاها الدكتور عبد الرحمن بن يوسف الرحمة أستاذ الحديث بجامعة الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، وذلك مساء الأربعاء 11/5/1435هـ، وقد أدار اللقاء الدكتور يحيى أبو الخير وحضره العشرات من الأدباء والمفكرين والمثقفين.
(العود الهندي) في مجالس المتنبي
بداية رحب عميد الندوة فضيلة الشيخ أحمد محمد باجنيد بالضيف المحاضر الدكتور عبد الرحمن بن يوسف الرحمة على استجابته لدعوة ندوة (الوفاء) كما رحب بالضيوف فضيلة الشيخ جعفر السقاف، والشيخ محمد بن حسن بن عبيد الله السقاف حفيد الشيخ المرحوم عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، كما زف شكره الجزيل للجميع في حضورهم وتشريفهم. أما المحاضر الدكتور عبد الرحمن الرحمة، فقد عبر عن سعادته للقاء هذه الوجوه النيرة المشرقة في منزل الشيخ أحمد باجنيد، ودعا الله أن يختم له ولبنيه وللحضور بصالح الأعمال. ثم قال : بالنسبة للموضوع فهو مهم جداً ، وكتاب (  العود الهندي.. ) في مجالس المتنبي لابن عبيد الله السقاف، كتاب أدب وعلم وذوق، وإن كان الذوق الأدبي عند بعض الناس يتعلق بالأدب والثقافة، لكننا نرى أنه يتعلق في جميع العلوم وحتى علوم الشريعة، وقد أشار إلى ذلك علامة العربية الشيخ محمود شاكر ـ رحمه الله ـ حتى وصل إلى قمة الذوق، وأقارن ابن عبيد الله السقاف بمحمود شاكر من ناحية إطلاعه على الكثير، وثقافته الواسعة، وذوقه الرفيع وملكته النقدية، ومواهبه المتعددة. وكلما قلبت صفحة من كتاب العود الهندي للسقاف أجدني أبكي مع المؤلف، وأضحك معه، تراه يصيب المرمى مع علم غزير، وهو علامة، فقيه محدث، مفسر، ناقد، أديب، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال : ( إن من البيان لسحراً) والسقاف حقاً مدرسة بالذائقة الأدبية، إمام في النقد الأدبي، راوية، قاص، ناقد مع تمسكه بالشريعة، عنده ملكة الاختيار، ولا يصطفي إلا الغالي النفيس، الآية بجانب الأثر، القصة بجانب القصيدة يهزك بحديثه، ويطربك برؤيته.


ولا شك أن المتبني الذي يحدثنا عنه السقاف من العباقرة وهو مالئ الدنيا، وشاغل الناس، ولكن السقاف يستدرك عليه بعض الاستدركات، مرة يثني عليه، وأخرى يذم بعض أبياته.
العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
وتحدث محاضرنا الدكتور عبد الرحمن بن يوسف الرحمة عن العلامة الشيخ عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف فقال : كان العلامة السقاف مفتياً لحضرموت، وقد جمع في كتابه : (العود الهندي .. ) كل مجالسه التي كان يعقدها، وكان يملي من حفظه الأبيات الشعرية مما يدل على غزارة علمه، وأدبه الجم، وفي وقفاته مع أبيات المتنبي، ونظراته غير التقليدية تميز بإبداعاته، أما اسمه ونسبه فهو الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله بن محسن السقاف وينتمي إلى الدوحة الهاشمية، وهو صالح عابد ورع، قال عنه علامة الجزيرة حمد الجاسر: له علو منزلة في تلك البلاد، عرف بعالم اليمن، ومفتي الديار اليمنية، وله صلة بحكام أقاليمها، وله صلة بإمام اليمن يحيى حميد الدين، وله مؤلفات كثيرة منها: العود الهندي، وبلابل التغريد، وكتاب العود الهندي يعد من أفضل كتب الأدب في سعة الاطلاع، ورحابة الصدر وفيه (نكت ونوادر).

 

 

وقفات في التذوق الأدبي
وأورد المحاضر بعض النظرات في التذوق الأدبي، ومما جاء في ذلك قوله: إن الشعر لا يحكم على ناقله إلا إذا كان معتقداً لما ينقله، وبعضهم قد يحكم على بعض الشعراء بالزندقة من خلال شعره، وعلينا ألا نحكم على بيت من الشعر حتى نعرف مراد قائله، وللأسف بعض الشباب قد يكفرون فئة من الشعراء، وهذا أمر خطير لأنه يقودنا إلى فكر الخوارج الذي ابتليت بهم الأمة، وفكر الخوارج، فكر تكفيري وهو أخطر ما وقعت فيه الأمة الآن.
أما التذوق الأدبي فيقوم على أمرين :
1- الثقافة الفنية الروحية، لأن تذوق العالم ليس مثل تذوق الجاهل.
2- الإدراك المباشر لجوانب الحياة العصرية ومشكلاتها فيختلف التذوق تبعاً لثقافة الأديب ومواهبه وقدراته ومكانته، ويكون حسب أسس علمية وفنية واضحة.
ولا شك أن نظرات السقاف لشعر المتنبي قد تكون صائبة وقد تكون جانبها الصواب أحياناً، وهي اجتهادات ورؤى سامية في أهدافها.
نماذج من التذوق الأدبي لشعر المتنبي لدى السقاف
بنى العلامة السقاف ذوقه الأدبي لشعر المتنبي على أمرين:
1- السبر : أي سبر جميع أبيات المتنبي والتعمق فيها مع إيراد جميع الأبيات التي تماثلها لكثير من الشعراء.
2- التتبع والاستقراء وهذا لا يحصل إلا لمن عنده ملكة وقدرة ولذا فهو لا يحكم على بيت واحد فقط إنما يتذوق شعر المتنبي بالمقارنة بشعر غيره.
قال أبو الطيب المتنبي في العكبري :
بأبي من وددته فافترقـــنا   وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
فافترقنا حولاً ولما التقــينا  كــان تسليمه علي وداعا
حلاوة اللقاء كمر النسيم
يقول : أفدي بوالدي الحبيب الذي وددته فافترقنا، وقضى الله الاجتماع بعد ذلك الافتراق، غير أنها لم تطل مدة الاجتماع الثاني، بل كانت متصلة بالوداع.
دفع العتاب عن المتنبي
ولا معابة عليه في الاقتصار على أبيه لتفدية محبوبه، لأن العذر ممهد بضيق الوزن، وإلا فقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعدٍ ما بين أبويه الشريفين في يوم أحدٍ ، فقال له : ” ارم فداك أبي وأمي”.

 

جواز التفدية
ومنه أخذ النواوي في “أذكاره” [ص/587] أن لا بأس أن يقول الإنسان لآخر: جعلت فداك، أو فداك أبي وأمي، ولولا  كثرة الأدلة فيه .. لكان قياساً مع الفارق ، غير أن الأصل عدم الخصوصية، كما في “الفتح” [ 10/569] ، وقد استوعب ما فيه من الأدلة ابن أبي عاصم في أول كتابه: ” آداب الحكماء” وجزم بجواز ذلك.
رد دليل منع التفدية
ولا حجة على المنع، فيما رواه مبارك بن فضالة: أن الزبير دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شاك، فقال : كيف تجدك جعلني الله فداك؟ فقال: ” ما تركت أعرابيتك بعد” ، لأنه لا يقاوم الأحاديث الصحيحة، ولأنه ليس فيه تصريح بالمنع، وغاية ما فيه الإشارة إلى ترك الأولى فيما يليق بمخاطبة المريض.
وقد ترجم البخاري باباً للتفدية.

المتني والرمادي
وخاتمة المجلس : أن لبيت النظام الذي نحن بسبيله … قصة حاصلها : أنه لما سمع بقول الرمادي يمدح أبا علي القالي [في”ديوانه ك 111)].
في أي جارحة أصوان معذبي    سلمت عن التعذيب والتنكيل
قال : إن سلم من داء الحلاق.. فليجعله في أسته . فانتهت مقالته للرمادي، وكان قد سمع بقوله [ من البسيط] : 
كفى بجسمي نحولاً  أنني رجل    [ لولا مخاطبتي إياك لم ترني]
فقال : ما أشبهه حينئذ بالضرطة، فإنها تسمع ولا ترى، والبيتان صحيحان، غير أن من تكلف الانتقاد .. لم يعوز إليه الطريق، إما سهلاً وإما وعراً، إما سميناً وإما غثاً، كصنيع الرجلين في البيتين، وقد يكون الرمادي إنما انتقد قول النظام الآتي عن قريب وهو :
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم   إذا رأي غير شيء ظنه رجلاً
والأول أشبه ، والحفظ يخون ، واللفظ يزيد وينقص.
[ قال أبو الطيب المتنبي في “العكبري” 1/298]:
يا عاذل العاشقين دع فئــة   أضلها الله كيف ترشـدها
بئس الليالي سهدت من طرب  شوقاً إلى من يبيت يرقدها
نصيحة لمن يعذل العاشقين
يقول في البيت الأول : يا عاذل العاشقين على عشقهم، دع عنك لومهم، فإنك لا ترشدهم، وقد أضلهم الله وأصل المعنى موجود بكثرة، ولا سيما في “ديوان سلطان العاشقين” فقد تصرف فيه ما شاء، فمنه قوله [في “ديوانه ” 124] :
يا عــاذل المشتاق جهلاً بالذي   يلقى ملياً لا بلغت نجـــاحاً
أتعبت نفسك في نصيحة من يرى  أن لا يرى الإقبال والإفلاحـا
إن رمت إصلاحي فإنـي لم أرد   لفساد قلبي في الهوى إصلاحا
وقوله [ في “ديوانه ” 137] : [من الطويل]:
وفي حبها بعت السعادة بالشقا   ضلالا وعقلي عن هداي به عقل
وقوله [ في “ديوانه” 162] : [من الطويل]
ومن أجلها طاب افتضاحي ولذ لي   اطراحي وذلي بعد عز مقامي
وفيها حلالي بعد نسكي تهتــكي   وخلع عذاري وارتكاب أثامي
[شرح البيت الأول من المطلع]
ثم إن كان الناظم يتوهم أن العشق ضلال بسائر أنواعه … فقد أخطأ، لأنه لا يذم ما لم يفض إلى الحرام، بل ربما تدرج به المرء في السلوك إلى سبيل السعادة، كما قلت [ في “ديوان المؤلف” 165] : [من البسيط]
لله في الحب سر لا يكيفه الإنسان   ما دام في ذا القالب الطـــيني
وفيه للمرء بالتوفيق مدرجـــة   إلى السعادة في الدنيا وفي الدين
[ ” من عشق فعف” ومدى الاحتجاج به ]
ولولا ما أكثروا فيه من شأن سويد بن سعيد .. لصح ما يدور عليه من طرقه، وهو حديث : ” من عشق فعف فكتم فمات … فهو شهيد “، ولكن رواه الزبير بن بكار، فقال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من عشق وكتم وعف وصبر.. غفر الله له، وأدخله الجنة”.
[ قال أبو الطيب المتنبي في “العكبري” 1/310]:
قد أجمعت هذه الخليقة لي   أنك يا ابن النبي أوحدها
وأنك بالأمس كنت محتلماً  شيخ معد وأنت أمردهـا
[ادعاء التفرد للممدوح عند المتنبي]
أما البيت الأول : فقلما تجد شاعراً إلا يدعي لممدوحه التفرد، ومنه قوله لشجاع بن محمد الطائي [في”العكبري” 1/336]:  [من الكامل]
كن حيث شئت تسر إليك ركابنا   فالأرض واحدة وأنت الأوحد
وقوله له [ في “العكبري” 3/184] :  [ من الطويل]
إلى واحد الدنيا إلى ابن محمد   شجاع الذي لله ثم له الفضل
وقوله لبدر بن عمار [ في “العكبري” 1/372] : [ من المتقارب]
فأنت وحيد بنــــــي آدم   ولـــست لفقد نظير وحيدا
وقوله لعبيد الله بن يحيى [ في “العكبري” 2/379] :  [من البسيط]
فكن كما أنت يا من لا شبيه له   فكيف شئت فما خلق يدانيكا
وقوله لابن العميد [ في “العكبري” 2/51]   [ من الخفيف]
جمع الدهر حده ويـــديه   وثنائي فاستجمعت آحاده
وقله له [ في “العكبري” 2/167]  [ من الكامل ] 
أنت الوحيد إذا ارتكبت طريقة   ومن الرديف إذا ركبت غضنفرا ؟
وقوله له [ في “العكبري” 4/246] :   [ من الطويل]
قضى الله يا كافور أنك أول  وليس بقاض أن يرى لك ثاني
وقوله له [ في “العكبري” 2/27] :    [ من الطويل]
وما زال أهل الدهر يشتبهون لي   إليك فلما لحت لي لاح فرده
وقوله له [ في “العكبري” 1/199] :  [ من الطويل]
جرى الخلف إلا فيك إنك واحد   وأنك ليث والملوك ذئاب
وقال [ في “العكبري” 4/108] : [ من الطويل]
وما الجمع بين الماء والنار في يدي   أصعب من أن أجمع الجد والفهما
ومعيار العموم الاستثناء، وقد قال لأبي العشائر [ في “العكبري” 2/364]: [من الخفيف]
ليس إلا أبا العشائر خلق   ساد هذا الأنام باستحقاق
أما قوله لسيف الدولة [ في “العكبري” 1/272] : [ من الطويل]
ولما رأيت الناس دون محله   تيقنت أن الدهر للناس ناقد
[ صفات بني حمدان] 
فأصاب فيه من جهةٍ ، والعادة قد تنخرق، وعين الدهر قد تنام، والطبيعة لها فلتات، وبنو حمدان ـ كما قال المحقق التفتازاني ـ ملوك، وجوههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة.
[ أوحد بني حمدان] 
وأخطأ من الأخرى، فإن أوحد بني حمدان بلاغة وبراعة وشجاعة .. إنما هو أ بو فراس، وقد أدركته حرفة الأدب، وأصابته عين الكمال، فأسرته الروم في بعض وقائعها، فازدادت شاعريته رقة ولطافة، كما سبق بعض قوله في غير هذا المجلس ، وهو القائل [ في “ديوانه” 144] : [ من الطويل]
أسرت وما قومي بعزل لدى الوغى   ولا فرسي مهر ولا ربه غمر
ولكن إذا حم القضاء على امــرئ   فليــس له بر يقيه ولا بحر
[ بدء الشعر بملك وختم بملك]
وقال الصاحب بن عباد [ في “قرى الضيف” 1/57] : بدئ الشعر بملك، وختم بملك، يعني: امرأ القيس، وأبا فراس: ومن أكبر بيناته اعتراضه على الناظم يوم أنشد قصيدته المستهلة بقوله [ في العكبري 3/362] : [ من البسيط]
واحر قلباه ممن قلبه شــبم   [ ومن بجسمي وحالي عنده سقم]
وملاحظته عليها، وتنبيهه على مواضع الاختلاس فيها، بما لو روى فيه امرؤ .. لما دوفع في حدة الفهم، وإصابة السهم، وغزارة العلم، ومعجزات الاطلاع ، كما سنفيض فيه عندما تنتهي إليه النوبة، إن شاء الله تعالى.
[ عود على شرح البيت من المطلع]
وأما البيت الثاني : فـ ( أن ) فيه مخففة من الثقيلة، وشرط اسمها أن يكون ضميراً محذوفاً ، وربما ثبت كقوله : [ من البسيط ]
فلو أنك في يوم الرخاء طلبتني   طلاقك لم أبخل وأنت صديق
[ قال أبو الطيب المتنبي في “العكبري” 1/318] : [ من الخفيف]
كل شيء من الدماء حرام   شربه ما خلا دم العنقود
[ شرح المطلع]
المراد من ( دم العنقود ) : الخمر ، وحقيقتها : المسكر من عصير العنب، وإن لم يقذف بالزبد
[ ملاحظات على المطلع]
وفي البيت أشياء 
[ حكم الخمر ]
أحدها : إن الخمر حرام بالإجماع، إلا أن يراد بها المطبوخ، فقد روى عن ابن الخطاب أنه كتب إلى عبد الله بن يزيد الخطمي:
أما بعد : فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان.
وروي : أن عمر بن عبد العزيز، كتب لبعض عماله: ألا تشربوا الطلاء حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، وكل مسكر حرام.
وقد علمت أن ما لا يسكر من ماء العناقيد لطبخ أو غيره، لا يسمى خمراً، إذ لا ينطبق عليه الحد السابق، وفي “الصحيحين” : ” كل شراب أسكر .. فهو حرام ” وصح خبر “أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره” ، وخبر ” ما أ سكر كثيره … قليله حرام “، لكن لا يكفر مستحل المسكر من عصير غير العنب، للخلاف فيه، أي : من حيث الجنس، لحل قليله على قول جماعة.
[ قال أبو الطيب المتنبي في “العكبري” 1/318] :  [من الخفيف]
شيب رأسي وذلتي ونحـولي   ودموعي على هواك شهودي؟!
[ شهود الحب كثر]
هو من قول أبي عبادة [ في “ديوانه” 4/2252] :   [ من الكامل]
أو ما كفاك بدمع عيني شاهداً   بصبابتي ومخبراً عن شاني ؟!
وقوله [ في “ديوانه” 3/1504] :     [ من الطويل]
وأبثثتها شكوى أبانت عن الجوى  ودمعاً متى يشهد ببت يصدق
وقوله [ في “ديوانه” 1/72] :  [من الكامل]
ساعد ما ألقى فإن كذبتني   فسلي الدموع فإنها لا تكذب
وقال أبو تمام : [ من مخلع البسيط]
أليس دمعي وفرط شوقي   وطول سقمي شهود حبي؟
[ هل تقبل شهادة الدموع؟]
ثم كيف تقبل شهادة الدمع مع قوله تعالى : [ وجاءو أباهم عشاءً يبكون] “يوسف:16″؟!
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال : جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء، فجعلت تبكي، فقالوا: يا أبا أمية، أما تراها تبكي ؟ قال : قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاء يبكون.
وقال الأعمش : لا يصدق باك بعد إخوان يوسف.
وقد يجاب بأن بكاءهم كان ليلاً من غير دمع، ولو جاؤوا بالعشي.. لافتضحوا، وإنما اعتمدوا الليل ليموهوا على أبيهم بتلك الحيلة التي لم تنطل عليه، ولم يصدقهم فيها.
وقد قال الناظم [ في “العكبري” 2/394] :   [من الوافر]
إذا اشتبكت دموع في خدود   تبين من بكى ممن تباكى
غير أنه يأتي إشكال آخر بما جاء في الأثر ـ أو الخبر ـ من أنه : ” إذا تم فجور المرء .. بدرت دمعته”
[ التعنت في الحب ]
وقد قال سبط ابن التعاويذي يمدح الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة [ في “ديوانه” 344]: [ من الطويل]
إذا قلت : قد  انحلت جسمي صبابة   تقول : وهل حب بغير نحول

 

المداخلات والحوارات
وأخيراً، أثارت المحاضرة العديد من الحوارات والأسئلة، بدأها الدكتور يحيى أبو الخير الذي أثنى على أسلوب المحاضر الدكتور عبد الرحمن الرحمة، فقال : إن أسلوبه رائع، وذوقه رفيع، وفي تأصيله ربط متقن، وقد ركز على كتاب العود الهندي للسقاف ذلك العلامة الكبير، أما المتنبي فهو من العباقرة، وشاغل الناس وشاعر العربية، والحكيم، وشخصية عصره.
وأشار الأستاذ عبد الرحمن أبو النجا أن شخصية السقاف تحتاج إلى دراسة أكاديمية، مثل رسائل الماجستير أو الدكتوراة ، أما الشاعر المتنبي فعنده تناقض واضح فقد مدح كافور الأخشيدي ثم هجاه.. وتحدث الأستاذ حمد الصغير أن النقد كثير على المتنبي لكنه مغرور، وقد شغل الناس حقاً بشخصه وشعره، والعلامة السقاف لم يقصر بمآخذه على المتنبي، ومع ذلك يظل المتنبي موضع إعجاب الكثيرين.
وحمد الشيخ الدكتور إبراهيم الفايز الله سبحانه على توفيقه وجمعه لنا في هذا الجمع المبارك لأنه ما جلس قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، فجزى الله عميد ندوة (الوفاء) وجزى الله محاضرنا الدكتور عبد الرحمن الرحمة على هذه المحاضرة وقد كان مرافقاً لشيخنا العلامة ابن باز ـ رحمه الله ـ فجمع من العلم والحديث والفقه والأدب الذي ميز شيخنا الكبير، والحق أن ابن عبيد الله السقاف عنده صبر واحتساب وعلم. وبالنسبة للنقد فيجب إخلاص النية فيه لأنه يورث العدل في الحكم، أما عقيدة أبي فراس الحمداني فهي مخالفة لأهل السنة والجماعة.
وشكر الشيخ السيد جعفر السقاف عميد ندوة (الوفاء) فضيلة الشيخ أحمد باجنيد، وأثنى على هذه البلاد، بلاد الحرمين الطيبة والطيب أهلها، كما عبر عن سعادته لمشاركته في هذه الندوة وفي هذا اللقاء المبارك عن شيخه عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، فهو المفتي، والمحدث، والأديب، والفقيه ، ونقده يستهدي بهدي القرآن الكريم فهو يحفظ القرآن الكريم، كما أنه شاعر وأتمنى أن تنشر أشعاره وتظل ندوة الوفاء هي رمز الوفاء.
ومن توفيق الله أن يحضر الندوة حفيد العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف السيد محمد بن حسن بن عبد الرحمن السقاف الذي قال : إن عنوان الوفاء ـ هذه الليلة المباركة ـ هو عميد الندوة الشيخ أحمد باجنيد، أما الشيخ عبد الرحمن السقاف فهو دائماً يعود إلى مراجع الشرع حتى في خصوصياته الأسرية، وفي الحديث الشريف لديه أعلى سند في العالم، وكان يتصف بالدقة والتحري والرؤى المشرقة حتى ينال العلم، وحتى يوثق المعلومة لابد أن يرجع إلى مصدرها، وهو نسيج  وحده في العلم والثقافة والأدب، وقل ما يجتمع هذا في شخصية واحدة، ولديه مكاتبات كثيرة مع حكام عصره، ومكاتبات فقهية وأدبية، وكما أعلم أن الشيخ مخلوف شرح ديوانه ، وهناك رسائل ماجستير ودكتوراه كتبت عنه وعن كتبه.
وأثنى الأديب شمس الدين درمش على المحاضرة قائلاً سمعنا حديثاً جيداً عن نقد شعر المتنبي، ولم يكن هناك مقارنة كما أوحى العنوان إنما هو رأي السقاف في شعر المتنبي.
وختم الشيخ محمد با فضل اللقاء مشيراً إلى أن ابن عبيد الله السقاف شيخ فذ مميز، وأدعو إلى دراسة كتبه البليغة المنفردة في اللغة العربية . إن الله خص الشعراء بالتوجيه، فالشعراء كما ورد يتبعهم الغاوون لكنه استثنى أهل الإيمان والذين عملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظلموا فهذه الصفات الأربع مستثناة، أما هذه المحاضرة للشيخ الدكتور عبد الرحمن الرحمة فهي قيمة، وكان معنا في دراستنا عند الشيخ العلامة ابن باز ـ رحمه الله ـ .

 

دوحة الشعر
وفي الختام كان للشعر دورة إذ ألقى الشيخ السيد جعفر السقاف منظومة في مدح الشيخ محمد أحمد باجنيد الذي كان مستشاراً لرئيس الجالية اليمنية في أريتريا، وقد لاقت استحساناً من الحضور.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *